الشيخ عبد الغني النابلسي

6

ديوان الحقائق ومجموع الرقائق

معنى في نفوسكم وهو عنكم بحجاب عزّته مصون ، وهو الظاهر بكل شيء و كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ القصص : 88 ] ، ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [ الأنبياء : 52 ] ، وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [ الواقعة : 82 ] ، فهو العارف والمعروف والشاهد والمشهود ، بل الجاهل والمجهول والجاحد والمجحود ، ولكنه ملتبس عليكم لأن له الظهور والبطون ، بالأشياء المحسوسة والمعقولة التي هو قيّوم عليها وهي الشؤون كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 29 و 30 ] وذلك حيث كان فيه الإنسان من التنزيه والتشبيه ، وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنّا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ، وهو عين الأعيان كلها وهو غيب الغيوب ، وهو المنكشف بملابس الخيال لملابس الخيال في مسمى الأبصار والقلوب ، قرب وبعد ودنا وعلا ، وجمع بين المثلين والضدّين والخلافين والنقيضين والعدم والملكة في الخلاء والملا ، وهو مع جميع ذلك ، المنزّه عن كل ما هنالك ، فلا يعرفه ، إلا من أتاه بقلب مما سواه سليم . و هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الحديد : 3 ] . طريق النجاة منه هو البقاء به والبقاء به هو الفناء عن جميع اعتباراته المعبّر عنها بهو وأنت وأنا ، وهيهات هيهات « 1 » أن تعرفه النفوس بما عندها من التقييد ، وما انطبعت عليه لأمثالها من التقليد بل هم في لبس من خلق جديد . كان في الأزل ، وهو في الأزل لم يزل ، ولا زمان ولامكان ، ولا أرواح ولا أبدان ، ولا مفهوم ولا موهوم ولا مرقوم ولا ملفوظ ، وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ البروج : 20 - 22 ] ، رفيع الدرجات ذو العرش من حيث الصعود في أهل السعود ، وتلك الدرجات هي عين الدّركات في هبوط المبعد عنه والمطرود ، كمّل الصورة الآدمية ، وكلّفها بما يفعله عنها بصفة القيومية ، سواء أشركت النفوس بعملها أو احتسبت ، أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] ، وهو الوكيل عنهم وهم المتوكلون ، فهو العامل لكل ما هم له عاملون ، فأين القائمون بحولهم وقوّتهم وأين المدّعون ؟ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصّافّات : 96 ] وإنما يكون الخلاص بملازمة طريق أهل الإخلاص ، قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البيّنة : 5 ] ، وذلك في كل أمر ونهي وتشديد وتليين ، وهو الصدق في العبودية ، وتوحيد الربوبية ، المبرّأ من الإشراك وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ البقرة : 195 ] ، « والإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 2 » . والصلاة والسلام ،

--> ( 1 ) هيهات : اسم فعل بمعنى بعد . نحو : هيهات ما تريد ، أو هيهات لما تريد . ( 2 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة 31 ، 2 ) ، ( إيمان 37 ) ، ومسلم ( إيمان 57 ) ، وأبو داود ( سنة 16 ) ، -